حكمة
نص موثق
«

حسبي علمي إن نفع، ما الذل إلا في الطمع. من راقب الله نزع عن سوء ما كان صنع. ما طار طيرٌ وارتفع إلا كما طار وقع.

»
إسماعيل بن قطري القراطيسي العصر العباسي (القرن الثامن أو التاسع الميلادي)

جوهر المقولة

تتضمن هذه الأبيات حكمًا متواليةً تُشكل رؤيةً متكاملةً للحياة الأخلاقية والروحية. يبدأ الشاعر بتأكيد قيمة العلم النافع، فكفاية المرء تكمن في علمه الذي يُثمر خيرًا وفائدةً حقيقيةً له ولمجتمعه، لا مجرد التراكم المعرفي المجرد. ثم ينتقل إلى ربط الذل بالطمع، موضحًا أن الطمع يدفع الإنسان إلى التنازل عن كرامته والسعي وراء ما ليس له بحق، فيورثه الهوان والمهانة، ويُفقده عزته واستقلاله.

يبرز الشاعر بعد ذلك أثر المراقبة الإلهية في تهذيب النفس وتصحيح المسار. فمن استشعر رقابة الله تعالى في كل أحواله، وانتبه إلى جزاء الآخرة، انصرف عن الأفعال السيئة التي كان يقترفها، واتجه نحو الصلاح والتقوى، مما يدل على قوة الوازع الديني في تحقيق التوبة والإصلاح الذاتي، والارتقاء بالنفس من حضيض المعصية إلى ذرى الطاعة.

ويختتم الشاعر بحكمةٍ كونيةٍ عميقةٍ تُشبه القانون الطبيعي، وهي أن كل ما يرتفع لا بد له من سقوط، وكل صعودٍ يعقبه هبوط. هذه الاستعارة تشير إلى حتمية زوال العلو والغرور، وأن كل قوةٍ أو مكانةٍ دنيويةٍ مهما بلغت من الشاهق، فإنها عرضةٌ للسقوط والزوال. إنها دعوةٌ إلى التواضع وعدم الاغترار بالقوة أو السلطة الزائلة، وتذكيرٌ بأن الدوام لله وحده، وأن العاقبة للمتقين.