حكمة
نص موثق
«

إن رعاية النفوس لا يمكن أن تكون من اختصاص الحاكم المدني، لأن كل سلطة مدنية تقوم على الإكراه. أما الدين الحق الذي ينجي، فيقوم على الإيمان الباطن في النفس، والذي بدونه لا قيمة لشيء عند الله. وإن من طبيعة العقل الإنساني أنه لا يمكن إكراهه بأية قوة خارجية. فصادر إن شئت أموال إنسان، واسجن بدنه وعذبه، فإن أمثال هذه العقوبات لن تجدي نفعاً إذا كنت ترجو من ورائها أن تحمله على أن يغير قناعات عقله بشأن الأشياء.

»
جون لوك عصر التنوير

جوهر المقولة

توضح هذه المقولة لجون لوك، أحد أبرز رواد فلسفة التنوير، مبدأً أساسياً للحرية الدينية والفصل بين الدين والدولة.

يُجادل لوك بأن سلطة الحاكم المدني تقتصر على الأمور الخارجية المتعلقة بالنظام العام والمصلحة المدنية، والتي تُفرض بالإكراه. أما رعاية النفوس، فهي تقع خارج هذا النطاق.

فالدين الحق، وفقاً للوك، يقوم على الاقتناع الداخلي والإيمان الصادق. وهذا الاعتقاد الباطني لا يمكن فرضه بالقوة الخارجية. فالعبادة أو الإيمان الذي يُؤدَّى تحت الإكراه لا معنى له في نظر الله، لأنه يفتقر إلى القبول الحقيقي.

الجزء الأقوى من الحجة هو التأكيد على أن العقل الإنساني لا يمكن إكراهه. فيمكنك معاقبة الجسد، ومصادرة الممتلكات، وإلحاق الألم، ولكن هذه الإجراءات لا يمكن أن تغير قناعات الشخص أو أحكام عقله على الأشياء بشكل حقيقي. فالقوة الخارجية قد تنتج امتثالاً ظاهرياً، ولكنها لا تولد قناعة داخلية.

تترتب على ذلك عدة دلالات:

1. **التسامح الديني**: يشكل هذا الأساس الفلسفي للتسامح الديني ورفض الاضطهاد الديني. فبما أن الإيمان لا يمكن فرضه، فإن محاولات ذلك ليست عقيمة فحسب، بل ظالمة أيضاً.
2. **الحكومة المحدودة**: يحدد هذا المبدأ حدوداً واضحة لسلطة الحكومة، مؤكداً أن الدولة لا تملك سلطة شرعية على مسائل الضمير والمعتقد.
3. **الاستقلالية الفردية**: يدعم الاستقلالية الفردية في مسائل الإيمان والفكر، مؤكداً قدسية القناعة الشخصية.

تعد هذه المقولة حجر الزاوية في الفكر السياسي الليبرالي، داعية إلى تمييز واضح بين السلطة الزمنية للدولة والمجال الروحي للضمير الفردي.