حكمة
نص موثق
«

النسيانُ تدريبٌ للخيال على احترام الواقع بتعالي اللغة، واحتفاظُ الأمل العصاميّ بصورةٍ ناقصةٍ عن الغد.

»

جوهر المقولة

هذه المقولة الشعرية الفلسفية لمحمود درويش تقدم تعريفًا معقدًا للنسيان، يتجاوز كونه مجرد فقدان للذاكرة. فهو يراه عملية مزدوجة الأبعاد. أولاً، هو "تدريبٌ للخيال على احترام الواقع بتعالي اللغة". هنا، النسيان ليس ضعفًا، بل هو آلية تسمح للخيال، الذي غالبًا ما يميل إلى المثالية أو المبالغة، بأن يتصالح مع حدود الواقع. "بتعالي اللغة" قد تشير إلى قدرة اللغة على صياغة الواقع وتجميله، أو إلى أن النسيان يسمح للغة بأن ترتقي فوق تفاصيل الواقع المؤلمة أو العادية، لتصنع منه صورة أكثر قبولًا أو شاعرية. إنه يروض الخيال الجامح ليتقبل ما هو كائن، دون أن يفقده قدرته على الإبداع، بل يعلمه كيف يتعامل مع الواقع بمرونة.

ثانيًا، النسيان هو "احتفاظُ الأمل العصاميّ بصورةٍ ناقصةٍ عن الغد". الأمل "العصامي" هو الأمل الذي يبنيه الإنسان بنفسه، ويكافح من أجله. النسيان هنا لا يمحو الأمل تمامًا، بل يسمح له بالبقاء، لكن بصورة "ناقصة" عن الغد. هذا النقص ضروري؛ لأنه يمنع الغد من أن يكون مثاليًا بشكل غير واقعي، مما قد يؤدي إلى خيبة أمل كبيرة. النسيان يسمح لنا بالتخلص من بعض تفاصيل الماضي أو قسوة الحاضر، لنتمكن من بناء أمل مستمر، وإن كان غير مكتمل، في المستقبل. إنه يمنحنا القدرة على المضي قدمًا، محتفظين بمسحة من التفاؤل، دون أن نغرق في تفاصيل قديمة أو توقعات غير واقعية.