العينُ بعدَ فراقِها الوطنَ، لا ساكنًا ألِفَتْ ولا سَكَنًا.
»جوهر المقولة
تُعبِّرُ هذه الأبياتُ عن عمقِ المعاناةِ الوجوديةِ التي يُخلِّفُها فراقُ الوطنِ والأحبةِ. فالعينُ، التي هي نافذةُ الروحِ ومستودعُ الرؤى، تُصبحُ بعدَ البُعدِ عن مألوفِها وموطنِها، عاجزةً عن إيجادِ الطمأنينةِ أو الألفةِ في أيِّ مكانٍ جديدٍ. إنها تُشيرُ إلى أنَّ الارتباطَ بالوطنِ يتجاوزُ مجردَ المكانِ ليُصبحَ جزءًا لا يتجزأُ من الكيانِ البشريِّ، فإذا ما فُقِدَ الوطنُ، فُقِدَ معهُ القدرةُ على الاستقرارِ النفسيِّ والوجدانيِّ، فلا يجدُ الغريبُ مَن يأنسُ به ولا مكانًا يُسكِّنُ روحَهُ المضطربةَ.
أما الشطرُ الثاني، فيُسلِّطُ الضوءَ على بُعدٍ إنسانيٍّ آخرَ، وهو الشوقُ إلى التفهُّمِ والتعاطفِ من قِبَلِ الأحبةِ الذين بقوا في الوطنِ. إنها أمنيةٌ مُفعمةٌ بالحزنِ، يتمنى فيها الشاعرُ لو أنَّ أولئكَ الذين يحملُ لهم الحبَّ يعلمونَ حجمَ الألمِ والوحدةِ والعزلةِ التي يُعانيها في غربتِهِ. هذا التمنِّي يكشفُ عن عمقِ العزلةِ التي يشعرُ بها الغريبُ، حيثُ لا يجدُ مَن يُشارِكُهُ ألمَهُ أو يُدركُ حجمَ تضحياتِهِ، مما يُضيفُ طبقةً أخرى من المعاناةِ إلى تجربةِ الفراقِ.