حكمة
نص موثق
«

اغتاب رجلٌ رجلًا عند قتيبة بن مسلم، فقال له قتيبة: أمسك أيها الرجل، فوالله لقد تلمَّظتَ بمضغةٍ طالما لفظها الكرام.

»
قتيبة بن مسلم العصر الأموي

جوهر المقولة

يجسد هذا الموقف حكمة قتيبة بن مسلم وفطنته في التعامل مع آفة الغيبة. فعندما اغتاب رجلٌ آخر في حضرته، لم يكتفِ قتيبة بالنهي المباشر، بل أضاف إليه تعبيرًا بليغًا يكشف عن عمق فهمه للأخلاق النبيلة. قوله: "فوالله لقد تلمَّظتَ بمضغةٍ طالما لفظها الكرام" يحمل دلالات فلسفية عميقة.

"تلمَّظتَ بمضغة" تعني أنك تذوقت وتلذذت بكلام الغيبة، وكأنها طعام شهي. وهذا التعبير يصور الغيبة كشيء دنيء ومقزز، رغم أن المغتاب قد يجد فيها لذة لحظية. أما الشق الثاني "طالما لفظها الكرام"، فيشير إلى أن أصحاب المروءة والشرف والكرامة يترفّعون عن مثل هذا الكلام، ولا ينطقون به أبدًا، بل يلفظونه ويرمونه بعيدًا عن مجالسهم وألسنتهم.

هذا القول يعكس فلسفة أخلاقية تقوم على التمييز بين سلوك العامة وسلوك النبلاء، ويدعو إلى الارتقاء بالنفس عن سفاسف الأمور. إنه ليس مجرد نهي عن الغيبة، بل هو دعوة لتشكيل وعي أخلاقي يرى في الغيبة فعلًا مشينًا لا يليق بذوي المروءات، ويحث على مجاهدة النفس في الترفع عن كل ما يشين اللسان ويجرح كرامة الآخرين.