حكمة
نص موثق
«

إني نظرتُ إلى المرآةِ حينَ جُلِيَتْ، فأنكرتْ مقلتايَ كلَّ ما رأتا. رأيتُ فيها شيخًا لستُ أعرفُه، وكنتُ أعهدُه من قبلِ ذاكَ فتى. فقلتُ: أينَ الذي بالأمسِ كانَ هنا؟ متى ترحلُ عن هذا المكانِ، متى؟ فاستضحكتْ ثم قالتْ وهي مُعجبةٌ: إنَّ الذي أنكرتْهُ مقلتاكَ أتى. كانتْ سليمى تُنادي: يا أخي، وقد صارتْ سليمى تُنادي اليومَ: يا أبتَا.

»
أبو بكر بن زهر الأندلسي العصر الأندلسي

جوهر المقولة

يُصوّر الشاعر هنا لحظة صادمة من مواجهة الذات مع حقيقة التقدم في العمر. عندما ينظر إلى المرآة بعد أن جُلِيَتْ (صُقِلَتْ لتظهر الصورة بوضوح)، يرى وجهاً غريباً لا يتعرف عليه، وجه شيخٍ بينما كان يعهد نفسه شاباً. هذا الإنكار البصري هو في حقيقته إنكار نفسي عميق للتغير الذي طرأ على هويته.

يصل به الأمر إلى مخاطبة صورته في المرآة، متسائلاً عن الشاب الذي كان هنا بالأمس، ويطلب من هذا الشيخ الغريب أن يرحل. تأتي الإجابة من المرآة (أو من صوت داخلي يمثل الحقيقة) بابتسامة تحمل مزيجاً من الإعجاب بالتحول ومرارة الواقع: "إن الذي أنكرته مقلتاك أتى"، أي أن هذا الشيخ هو أنت، وقد حان أوان قدومه.

يُختتم المشهد بمثال مؤثر يجسد هذا التحول: سليمى، التي كانت تناديه "يا أخي" في شبابه، صارت الآن تناديه "يا أبتا". هذا التحول في العلاقة وفي اللقب ليس مجرد تغيير لفظي، بل هو دلالة على تغير كامل في الدور الاجتماعي، وفي نظرة الآخرين إليه، وفي إدراكه لذاته. القصيدة تجسد صراع الإنسان مع الزمن، وفقدان الشباب، وقبول حتمية الشيخوخة وما تحمله من تحولات.