حكمة
نص موثق
«

إلى أيِّ درجةٍ كانت سنغافورةُ في الستينياتِ قاسيةً: جهلٌ وفقرٌ ومرضٌ وفسادٌ وجريمةٌ واغتصابٌ. كلُّ مناصبِ الدولةِ قد بِيعَتْ لمن يدفعُ أكثرَ، وخطفتِ الشرطةُ الفتياتِ السنغافورياتِ الصغيراتِ للعملِ في دعارةِ الأجانبِ، وتقاسموا مع اللصوصِ وبناتِ الليلِ ما يجمعونَهُ من أموالٍ، وحتى القضاةُ باعوا أحكامَهم لمن يدفعُ. الجميعُ قالوا: الإصلاحُ مستحيلٌ، لكنني التفتُّ إلى المعلمينَ والمدرسينَ، وكانوا في بؤسٍ وازدراءٍ شديدٍ، فمنحتُهم أعلى الأجورِ والمرتباتِ في الدولةِ، وقلتُ لهم: أنا عليَّ أن أبني أجهزةَ الدولةِ، وأنتم تبنونَ لي الإنسانَ. واهتممتُ بالاقتصادِ أكثرَ من السياسةِ، وبالتعليمِ أكثرَ من نظامِ الحكمِ، فبنيتُ المدارسَ والجامعاتِ، وأرسلتُ الشبابَ إلى الخارجِ للتعلمِ، ومن ثم الاستفادةُ من دراساتِهم لتطويرِ المجتمعِ السنغافوريِّ.

»
لي كوان يو العصر الحديث

جوهر المقولة

تُقدم هذه المقولةُ شهادةً تاريخيةً وفلسفيةً على قدرةِ القيادةِ الحكيمةِ على تحويلِ الواقعِ الأشدِّ قسوةً إلى قصةِ نجاحٍ باهرةٍ. إنها تُصوّرُ سنغافورةَ في الستينياتِ كنموذجٍ للتدهورِ الشاملِ، حيثُ الفسادُ مستشرٍ، والظلمُ متفشٍ، والمجتمعُ غارقٌ في براثنِ الجهلِ والفقرِ والجريمةِ. هذا الوصفُ يُبرزُ حجمَ التحدي الذي واجهه القائدُ، ويُعلي من شأنِ قراراتِه الجريئةِ.

يُبيّنُ لي كوان يو أنَّ مفتاحَ الإصلاحِ لم يكنْ في التركيزِ على الحلولِ السياسيةِ السطحيةِ أو الأمنيةِ القمعيةِ، بل في الاستثمارِ الجذريِّ في الإنسانِ. لقد أدركَ أنَّ بناءَ الدولةِ الحقيقيةِ يبدأُ ببناءِ الإنسانِ الواعيِ والمؤهلِ، وأنَّ المعلمينَ هم حجرُ الزاويةِ في هذه العمليةِ. رفعُ مكانةِ المعلمِ مادياً ومعنوياً لم يكنْ مجردَ مكافأةٍ، بل كانَ إقرارًا بفلسفةٍ عميقةٍ ترى في التعليمِ القوةَ المحركةَ للتغييرِ والنهضةِ.

إنَّ اهتمامَه بالاقتصادِ أكثرَ من السياسةِ، وبالتعليمِ أكثرَ من نظامِ الحكمِ، يُشيرُ إلى رؤيةٍ براغماتيةٍ بعيدةِ المدى. لقد فهمَ أنَّ الاستقرارَ الاقتصاديَّ والتقدمَ التعليميَّ هما الأساسُ الذي يُبنى عليه أيُّ نظامٍ سياسيٍّ مستدامٍ. إرسالُ الشبابِ للخارجِ للتعلمِ والاستفادةُ من خبراتِهم يُجسّدُ إيمانًا راسخًا بأهميةِ الانفتاحِ على العالمِ واكتسابِ المعرفةِ الحديثةِ، وتوظيفِها في خدمةِ المجتمعِ الوطنيِّ. هذه المقولةُ هي درسٌ في القيادةِ التنمويةِ التي تُعلي من شأنِ رأسِ المالِ البشريِّ كأغلى ثروةٍ للأممِ.