وُلِدَ النزاعُ في حارتنا منذ وُلِدَتْ، ومضى خطرُه يستفحلُ بتعاقبِ الأجيالِ حتى اليومِ والغدِ. ولذلك، فليس أدعى إلى السخريةِ المُرَّةِ من الإشارةِ إلى صلةِ القربى التي تجمعُ بين أبناءِ حارتنا. كنا، وما زلنا، أسرةً واحدةً لم يدخلْها غريبٌ، وكلُّ فردٍ في حارتنا يعرفُ سكانَها جميعًا، نساءً ورجالًا. ومع ذلك، فلم تعرفْ حارةٌ حِدَّةَ الخصامِ كما عرفناها، ولا فرَّقَ بين أبنائها النزاعُ كما فرَّقَ بيننا. ونظيرَ كلِّ ساعٍ إلى الخيرِ تجدُ عشرةَ فُتُوَّاتٍ يلوِّحون بالنبابيتِ، ويدعون إلى القتالِ، حتى اعتادَ الناسُ أن يشتروا السلامةَ بالإتاوةِ، والأمنَ بالخضوعِ والمهانةِ، ولاحقتْهم العقوباتُ الصارمةُ لأدنى هفوةٍ في القولِ، أو في الفعلِ، بل للخاطرةِ تخطرُ فيشي بها الوجهُ.
أيُّ إهانةٍ وذلٍّ نذوقه حين يُصيبنا الظلم على يد من كنا نعدّهم أشقاءنا؟ بينما أبناء أوروبا الغرباء يأتون إلى بلادنا فيرتكبون الموبقات ولا يُسائلهم أحد عن شيء، لمجرد أنهم يحملون كرامة بلادهم التي قدموا منها. فكونك بريطانيًا أو فرنسيًا أو أمريكيًا يعني أنك تمثل دولتك ذاتها، ومن يمسّك بسوء فقد مسّ دولتك وأساء إليها، وهذا محظورٌ وله عقابٌ صارم. لذلك كانت كرامتهم مصونةً وجانبهم مهابًا. أما نحن، الإخوة في العروبة والإسلام، فلا ندخل بلادهم إلا بكفيلٍ، وإن اعترضنا على الظلم عاملونا معاملة العبد الآبق الهارب.