لا تُفشِ سِرًّا ما استطعتَ إلى امرئٍ *** يُفشي إليكَ سرائرَ يُستودَعْ.
»جوهر المقولة
يُقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، في هذه الأبيات الشعرية نصيحة ذهبية تتجاوز مجرد الإرشاد الأخلاقي لتلامس جوهر الفلسفة الاجتماعية والنفسية. تبدأ الأبيات بتحذير صارم من إفشاء الأسرار لمن لا يستحق الثقة، وتحديداً لمن عُرف عنه إفشاء أسرار الآخرين التي اؤتمن عليها. إنها دعوة للتأمل في طبيعة من نأتمنهم على خصوصياتنا.
الشق الثاني من الأبيات يقدم قاعدة ذهبية في التعامل مع البشر: 'فكما تراه بسِرِّ غيركَ صانعًا *** فكذا بسِرِّكَ لا محالةَ يَصنَعْ'. هذه القاعدة تقوم على مبدأ الانعكاس والقياس. فإذا رأيت شخصاً يفشي أسرار غيره التي اؤتمن عليها، فمن البديهي، بل من المؤكد، أنه سيفعل الشيء نفسه مع سرك أنت. إنها دعوة لليقظة والبصيرة، وعدم الوقوع في فخ التفكير بأننا استثناء، وأن هذا الشخص سيتعامل مع أسرارنا بخصوصية تختلف عن تعامله مع أسرار الآخرين.
تُجسد هذه الأبيات حكمة عميقة في فهم الطبيعة البشرية، وتحث على اتخاذ الحيطة والحذر في اختيار الأصدقاء والمقربين. إنها ليست دعوة للتشكيك في الجميع، بل هي دعوة للتعقل والتعلم من التجارب والملاحظات. فالإنسان الحكيم هو من يستقرئ سلوك الآخرين ويستنبط منه ما ينفعه ويحميه، ويضع أسراره في مأمنها الحقيقي، وهو قلبه ولسانه.