حكمة
نص موثق
«

عجبتُ للإنسانِ يوصي غيرَهُ بالقناعةِ، ولا يقنعُ هو!

»
يحيى حقي حديث

جوهر المقولة

تُسلِّطُ هذه المقولةُ الضوءَ على تناقضٍ بشريٍّ متجذِّرٍ في طبيعةِ النفسِ، وهو التناقضُ بين القولِ والفعلِ، أو بين النصيحةِ الموجهةِ للآخرين والتطبيقِ الذاتيِّ لها.

يحيى حقي هنا يُعربُ عن دهشتهِ من هذا السلوكِ المزدوجِ، حيثُ يجدُ الإنسانَ سهلاً عليه أن يُلقيَ دروسًا في القناعةِ والرضا على مسامعِ الآخرين، بينما هو نفسُه يعيشُ في دوامةٍ من الطمعِ، أو عدمِ الرضا، أو السعيِ اللانهائيِّ للمزيدِ.

هذا التناقضُ يكشفُ عن ضعفٍ أخلاقيٍّ وفلسفيٍّ؛ فالمبادئُ الحقيقيةُ لا تُلقَّنُ فحسب، بل تُعاشُ وتُطبَّقُ. إنَّ من يدعو إلى فضيلةٍ يجبُ أن يكونَ هو أولَ من يتحلى بها، وإلا فقدتْ نصيحتُه مصداقيتَها وتأثيرَها. إنها دعوةٌ إلى الأصالةِ والاتساقِ بين الباطنِ والظاهرِ، وإلى أن تكونَ القناعةُ قناعةً حقيقيةً تنبعُ من القلبِ وتنعكسُ على السلوكِ، لا مجردَ شعارٍ يُرفعُ أو نصيحةٍ تُسدى للآخرين دونَ التزامٍ شخصيٍ بها.