جوهر المقولة
تُقدّمُ هذه المقولةُ العميقةُ من الإمامِ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ نصيحةً استراتيجيةً للتعاملِ مع أوقاتِ الفتنِ والاضطراباتِ والنزاعاتِ الاجتماعيةِ أو السياسيةِ. إنها دعوةٌ للحيادِ المطلقِ والابتعادِ عن أن تكونَ طرفاً أو أداةً في الصراعاتِ.
'ابن اللبون' هو صغيرُ الناقةِ الذي بلغَ عامينِ أو ثلاثةً من عمرِه. في هذه المرحلةِ، لا يكونُ قوياً بما يكفي ليُركبَ ويُحملَ عليه الأثقالُ، ولا تكونُ أنثاه (اللبون) قد بدأتْ تُدرُّ الحليبَ ليُحلبَ ضرعُها. فهو في مرحلةٍ وسطى لا نفعَ منه للناسِ من حيثُ الركوبِ أو الحلبِ.
والمعنى الفلسفيُّ هنا هو أنَّ على الإنسانِ في أوقاتِ الفتنةِ أن يجعلَ نفسَه غيرَ ذي قيمةٍ أو جاذبيةٍ لأيِّ طرفٍ من أطرافِ النزاعِ. فقوله 'لا ظهرَ فيُركبَ' يعني ألا تُقدّمَ نفسَكَ كأداةٍ أو وسيلةٍ لأيِّ طرفٍ متصارعٍ، فلا تكونَ لك قوةٌ أو تأثيرٌ يُمكنُ استغلالُه لخدمةِ أجندةٍ معينةٍ. وقوله 'ولا ضرعَ فيُحلبَ' يعني ألا تكونَ لديكَ ثروةٌ أو نفوذٌ أو مواردُ يُمكنُ للأطرافِ المتنازعةِ أن تطمعَ فيها أو تسعى لانتزاعِها منك، فتُصبحَ بذلك هدفاً أو سبباً للنزاعِ.
إنها دعوةٌ للاعتزالِ السلبيِّ الحكيمِ، والابتعادِ عن كلِّ ما يُمكنُ أن يجرَّ الإنسانَ إلى أتونِ الفتنةِ، حفاظاً على النفسِ والدينِ والعرضِ. تهدفُ هذه الحكمةُ إلى تحقيقِ السلامةِ الشخصيةِ والروحيةِ في أوقاتٍ تُصبحُ فيها القيمُ والمبادئُ عرضةً للخطرِ.