قال بعضهم لرجل شرب الخمر وأقيم عليه الحد: ‘أخزاك الله’. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا هذا، لا تعينوا عليه الشيطان».
»جوهر المقولة
هذه المقولة جامعة لثلاثة نصوص مختلفة، اثنان منها من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وواحد من الشعر الجاهلي، وكلها تدور حول فضائل التسامح، وحسن الظن، وعدم التعجل في الحكم على الآخرين.
**الجزء الأول (حديث عن شارب الخمر):** ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعاء بالخزي على من أقيم عليه حد شرعي، حتى لو كان ذنبه عظيماً. فلسفياً، هذا يعكس مبدأ الرحمة الإسلامية وعدم إعانة الشيطان على المؤمن. فالدعاء عليه بالخزي قد يدفعه إلى اليأس ويزيد من سيطرة الشيطان عليه، بينما الواجب هو التوبة والإصلاح، والدعاء له بالهداية. هذا يؤكد على أهمية عدم إغلاق باب الرجاء في وجه المذنب، والحفاظ على كرامة الإنسان حتى في حال خطئه.
**الجزء الثاني (حديث عن مالك بن الدخشم):** يرفض النبي صلى الله عليه وسلم اتهام الصحابي مالك بن الدخشم بالنفاق لمجرد ظن شخص، ويؤكد على أن النطق بكلمة التوحيد "لا إله إلا الله" بنية صادقة كافٍ للدلالة على الإيمان، وأن الحكم على النوايا الخفية أمر لا يعلمه إلا الله. هذا الحديث يرسخ مبدأ عدم التجسس على القلوب، وضرورة حمل كلام الناس على أحسن المحامل، وعدم التسرع في التكفير أو التفسيق بناءً على الظنون، بل يجب إعطاء الأولوية للظاهر ما لم يثبت خلافه بيقين.
**الجزء الثالث (بيت شعر لأوس بن حجر):** هذا البيت الشعري يدعو إلى التريث وعدم إصدار الأحكام السلبية على الأشخاص قبل معرفة حقيقتهم واختبارهم في المواقف المختلفة. "بلاء المرء" هنا يعني اختباره وتجربته. فلسفياً، يشير إلى أن الحكم الصائب على الإنسان لا يتأتى إلا بعد معايشة وملاحظة لسلوكه في الشدائد والرخاء. فإما أن يثبت جدارته فيُمدح، وإما أن يظهر عيبه فيُذم. هذا يؤكد على قيمة التجربة والملاحظة في تكوين الأحكام، ورفض الأحكام المسبقة أو الظنية، وهو مبدأ أساسي في العدل والإنصاف.