حكمة
نص موثق
«

يا أيها الأمواتُ الأحياءُ،
لقد سئمتُ الحياةَ التي لا روحَ فيها،
ومَللتُ صمتي وصوتي،
وضجرتُ من الروايةِ ورُواتِها،
ومن الجنايةِ وجُناتِها،
ومن المحاكمِ وقُضاتِها.
كما ضقتُ ذرعًا بتكليسِ القبورِ،
وسئمتُ تبذيرَ الجياعِ على الأضاحي والنذورِ.

»
سميح القاسم العصر الحديث

جوهر المقولة

هذه المقولة تعبر عن حالة عميقة من السأم والضجر الوجودي، حيث يرى الشاعر أن الحياة قد فقدت معناها وجوهرها، وصارت مجرد وجود جسدي خالٍ من الروح. "الموتى بلا موت" إشارة إلى أولئك الذين يعيشون حياة ظاهرية ولكنهم أموات داخليًا، بلا شغف أو هدف أو إحساس حقيقي بالوجود، وهم يمثلون رمزًا لحالة الجمود والتبلد الروحي التي يرفضها الشاعر.

يعكس الشاعر شعوره بالإرهاق من تناقضات الحياة ومفارقاتها؛ فصمته وصوته، وهما وجهان لعملة التعبير البشري، لم يعودا يحملان له أي معنى أو راحة. كما يمتد سأمه ليشمل السرد القصصي (الرواية والرواة) الذي قد يحمل في طياته تزييفًا للحقائق أو تكرارًا لا جدوى منه، ويطال الظلم والعدوان (الجناية والجناة) والعدالة المشوهة (المحاكم والقضاة)، مما يشير إلى خيبة أمل عميقة في الأنظمة الاجتماعية والقيم الإنسانية.

يبلغ السأم ذروته في استنكاره لطقوس ظاهرية فارغة من المعنى، مثل "تكليس القبور" الذي يرمز إلى الاهتمام بالمظاهر الخارجية دون الجوهر، و"تبذير الجياع على الأضاحي والنذور" الذي يكشف عن مفارقة مؤلمة بين الفقر المدقع والإنفاق على الطقوس الدينية التي قد لا تحقق العدالة الاجتماعية أو الإغاثة الحقيقية للمحتاجين. إنها صرخة وجودية ضد الزيف والعبث وفقدان المعنى في عالم يغرق في المظاهر وينسى الجوهر.