جوهر المقولة
تُجسّد هذه المقولة لدرويش تحولاً فلسفياً عميقاً في فهم الوجود والهوية، خاصةً في سياق التجربة الفلسطينية التي تتسم بفقدان الوطن والعيش في المنفى.
فعبارة "لا وطنَ ولا منفى" تُشير إلى تجاوز ثنائية الوطن والمنفى كإطارين مُحدِّدين للوجود. إنها ليست مجرد نفي لوجود أحدهما أو كليهما، بل هي إقرار بأن هذه المفاهيم قد فقدت قدرتها على تعريف الذات أو احتواء تجربتها المعقدة. فبعد تجربة طويلة من النضال من أجل الوطن وعيش مرارة المنفى، قد يصل الإنسان إلى مرحلة يدرك فيها أن هذه التصنيفات الجغرافية والسياسية لم تعد كافية لتحديد ماهيته أو مكانته في العالم.
أما "هي الكلماتُ" فتُقدّم بديلاً وجودياً وفلسفياً. فالكلمات، أي اللغة والشعر، تُصبح هي الوطن الحقيقي والمنفى الوحيد في آن واحد. الكلمات هي المكان الذي يُبنى فيه المعنى، وتُصاغ فيه الهوية، وتُحفظ فيه الذاكرة. بالنسبة لشاعر مثل درويش، تُصبح اللغة هي الملاذ الأخير، والساحة التي يُمكن فيها استعادة ما فُقد، وتشييد عوالم جديدة، والتعبير عن المعاناة والأمل. إنها تُصبح الوجود بحد ذاته، حيث لا حدود ولا قيود، وحيث يُمكن للذات أن تتحقق وتتجاوز الواقع المادي القاسي. فالكلمات تُشكّل وطناً لا يُمكن احتلاله أو نفيه، ومنفىً اختيارياً يُمكن للشاعر أن يُبدع فيه ويُقاوم.